الرقة على أبواب المجاعة..

حصار مدينة الرقة  في شهره الرابع مجازر مستمرة ومجاعة قادمة

مقدمة

يسيطر تنظيم داعش بشكل شبه كامل على محافظة الرقة منذ كانون الثاني/ يناير 2014، وحول مدينة الرقة إلى مركز له يطلق عملياته باتجاه المناطق الأخرى، فكانت العاصمة المزعومة لإرهابه وشروره.

انطلقت عملية تحرير الرقة التي تقودها قسد بدعم من التحالف الدولي وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية في الشهر السادس حزيران/ يونيو من هذا العام، وتم الترويج للمعركة على أنها عملية تحرير للمدينة من سيطرة التنظيم المتطرف، ولم يكن متوقعاً أن تصبح هذه المعركة طويلة الأمد أو أن تسبب كل هذا الدمار والتشريد وعدد الضحايا الكبير، عدا عن المفقودين والمصابين بإصابات نفسية وجسدية بالغة، وتحول حلم التحرير بالنسبة إلى أهالي الرقة إلى كابوس يلاحقهم في خارج المدنية وداخلها، ولاسيما المدنيون المتبقون في المدينة المحاصرة.

عمد كل من قسد والتحالف الدولي إلى عزل مدينة الرقة وحصارها بعد قضم المناطق المحيطة واستخلاصها من يد التنظيم مع إفساح المجال له للانسحاب باتجاه ديرالزور أو أن يقع في الحصار داخل مدينة الرقة، واستطاعت القوات المهاجمة أن تبسط سيطرتها على مناطق مهمة قبل الوصول للرقة مثل الطبقة والكرامة والمنصورة ومناطق الريف الشمالي، إلى أن وصلوا إلى محيط المدينة لتبدأ فصول المأساة الحقيقية.

حصار المدينة ومعارك تحريرها

في البداية، استهدفت الضربات الجوية للتحالف مواقع استراتيجية للتنظيم والأكثر احتمالاً لوجود قاداته وعناصره ومخازن الأسلحة والمقرات وغرف العمليات، معتمداً على المعلومات التي تصله من داخل المدينة أو من خلال أشخاص قد غادروا المدينة منذ وقت قريب أو اعتماداً على معلومات يستخلصها من بعض المنشقين من التنظيم، ولكن سرعان ما تغيّر هذا الأمر، ولاسيما أن التنظيم كان متجهزاً لهذه الضربات ولم تؤثر على فاعليته ولم تسهم بالحدّ من قدراته العسكرية بشكل كبير، فقد أفرغ التنظيم مقراته ومراكزه جميعها ونقلها إلى مواقع أخرى، وبذلك استطاع تجنب الضربة الأولى بنجاح. كما أن أغلب المعلومات المقدمة كانت غير دقيقة، وقد تسببت بسقوط ضحايا مدنيين عدة، لأن الإحداثيات المعطاة اعتمدت على أدوات ووسائل غير متطورة ووصف أشخاص عاديين لا يملكون أية خبرة في هذا المجال.

عمد التنظيم إلى محاولة استدراج القوات المهاجمة إلى حرب الشوارع التي يتقنها، ولاسيما أنه يعرف الأرض التي يحارب فيها بشكل جيد جداً بخلاف القوات المهاجمة، وقد استطاع بالفعل النجاح في هذا الأمر، وتسبب في إيقاع عدد كبير من القتلى في القوات المهاجمة بعد أن نفذ عليهم عمليات التفاف ناجحة كما حدث في بداية المعارك في شارع المنصور والمعتز. بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفاً، ويبدو أن التحالف قرر اعتماد سياسة الأرض المحروقة، فبدأت عملية القصف والتدمير والقصف العشوائي المدفعي والضربات الجوية المكثفة بدون أية إجراءات واضحة لحماية المدنيين وتحييدهم، فلم تستثنِ الأبنية السكنية والأحياء التي تتركز فيها الكثافات السكانية الكبيرة، وبدا ذلك واضحاً من خلال عدد الضحايا المدنيين المتساقطين كما حدث في حارة البدو ومنطقة الأماسي والفردوس والحديقة البيضاء، ولم يستثنِ التحالف المشافي أو المدارس أو المساجد أو الأفران وآبار المياه التي تعد شريان الحياة للمدنيين المتبقين بعد قطع الماء والكهرباء عن المدينة المحاصرة بسبب تدمير البنية التحتية لها.

استطاع تنظيم داعش أن يستمر بسبب التجهيزات التي قام بها قبل بدأ المعركة، واستطاع أن يقيم شبكة أنفاق ومخابئ سرية تضمن له القتال والصمود لأشهر عدة، وعملياً هو لا يبالي بالدمار الحاصل أو عدد الضحايا المدنيين الذين يسقطون، والهدف الأساسي له هو إيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوف القوات المهاجمة والصمود لأكبر مدة ممكنة.

الوضع الإنساني

إن أسوأ النتائج الكارثية من معارك الرقة هي في الضحايا المدنيين الذين خسروا حياتهم نتيجة القصف العشوائي المدفعي أو الضربات الجوية، كما إن تنظيم داعش استهدف عمداً عدداً من المدنيين أثناء محاولتهم الهروب من المدينة، ويشكل المدنيون الهاربون أولوية لقناصي داعش المنتشرين في كل مكان ولا يميزون بين كبير أو صغير. إن توثيق الخسائر البشرية عملية صعبة جداً في المدينة المحاصرة، وجميع الإحصائيات المتاحة غير دقيقة بسبب صعوبة التواصل مع المحاصرين داخل المدينة والأرقام الحقيقية قد تفوق ما تم توثيقه بشكل كبير. تقدر إحصائيات الرقة24 أعداد الضحايا المدنيين بأكثر من 5000 قتيل منذ بداية الحملة، عدا عن 4000 مفقود يعتقد أنهم تحت أنقاض الأبنية التي تم قصفها وتدميرها على رؤوس ساكنيها، يضاف إلى ذلك كثير من حالات الإعاقة الجسدية المتمثلة بحالات بتر للأطراف بسبب الشظايا أو انعدام المواد الطبية الإسعافية التي احتكرها التنظيم لعناصره فقط.

وثقت الرقة24 مقتل 1316 مدني بينهم 262 طفلاً و229 إمرأة. كان النصيب الأكبر للضربات الجوية لطائرات التحالف حيث قتلت 856 مدنياً، بينما قُتل 201 مدني نتيجة القصف المدفعي العشوائي لقوات سوريا الديمقراطية. ولقي 66 مدني آخر مصرعه نتيجة انفجار مفخخات وألغام زرعها تنظيم داعش، كما أعدم داعش 43 شخصاً خلال المدة نفسها بتهم مختلفة، منها التعامل مع التحالف أو محاولة الهروب من المدينة. بينما بقي سبب مقتل 150 مدني مجهولاً.

عجزت مشافي مدينة الرقة عن تقديم العلاج للجرحى بسبب فقدان المواد الطبية الأولية والمضادات الحيوية بسبب الضغط الكبير على المشافي والحصار، وتفضيل داعش الجرحى من مقاتليه على الجرحى المدنيين، إضافة إلى ندرة الأطباء. وبعد اشتداد القصف العشوائي على المدينة والقصف أغلقت أغلب النقاط الطبية أبوابها وتقتصر المتوفرة منها على تقديم الخدمات لعناصر داعش فقط. كما يحاول الأهالي معالجة الجرحى في البيوت؛ وأغلب الإصابات هي شظايا تؤدي إلى تمزق الأوعية الدموية تسببت بحالات وفيات كثيرة، بحسب ما أكد أحد أطباء المدينة لفريق الرقة24. كما إن عملية نقل الجرحى في المدينة المحاصرة أمر بالغ الصعوبة بل مستحيل في أغلب الأحيان لعدم توفر سيارات الإسعاف، ويحاول الأهالي نقلهم على حمالات لمسافات طويلة أو بالدراجات النارية إن توفرت، بسبب عدم توفر الوقود في أغلب المناطق ولغلاء ثمنه إن توفر. ويقوم المدنيون في المدينة المحاصرة بدفن الضحايا في الحدائق العامة والخاصة كحديقة البانوراما جنوبي المدينة أو حديقة الجامع الكبير، لعدم تمكنهم من الوصول إلى مقبرة المدينة.

أحد الأطباء يؤكد للرقة24 أن حالات بتر أطراف في الرقة المحاصرة تمت بوسائل بدائية وبدون تعقيم أو تخدير. كما سُجّلت 4 حالات ارتخاء عضلي سفلي بمدينة الرقة المحاصرة يُشتبه أنها حالات شلل أطفال، كما انتشرت أمراض وأوبئة لم يتم تشخصيها بشكل جيد.

أما المواد الطبية فلم تعد متوفرة في المدينة المحاصرة، وكذلك الأغذية، فمنذ حصار المدينة لم يعد هناك أي نوع خضروات في الرقة، ويعتمد الأهالي على الحبوب والمواد المخزنة لديهم في السابق والتي باتت على شفير النفاد، مما يهدد بمجاعة شاملة إن علمنا أن التقديرات تشير إلى وجود ما بين 5000 إلى 10000 مدني داخل الأحياء المتبقية المحاصرة.

بدأ الشح بمادة الخبز الأساسية من الشهر الثالث آذار/ مارس 2017، حيث ارتفع سعر كيلو الخبز 5 إلى 6 أضعاف. بينما توقفت أفران الخبز معظمها منذ الشهر الخامس أيار/ مايو نتيجة قصف التحالف وفقدان مادة الطحين أو غلاء أسعارها، أي قبل حصار المدينة.

لم تتوقف مآسي المدنيين عند هذا الحد فقد انتشرت النفايات بشكل كبير داخل مدينة الرقة بعد توقف عمال النظافة عن العمل بسبب القصف وحصار المدينة، مما أدى إلى انتشار القوارض والروائح الكريهة.

الماء والكهرباء مقطوعتان في الرقة منذ 4 أشهر تقريباً، والمدنيون المحاصرون في الرقة يحرقون المواد البلاستيكية وبعض أثاث المنازل لتسخين وتعقيم المياه المستخرجة من الآبار لجعلها صالحة للشرب. ولكن التحالف بقصفه لتلك الآبار أخرج أكثر من 13 بئر محلي في الرقة عن الخدمة، وقُتل مدنيون كثيرون نتيجة تجمعهم حولها عند قصفها، كان أبرزها عندما قصفت غارة للتحالف تجمعاً للمدنيين حول بئر للماء في حي البدو راح ضحيتها قرابة 13 شخصاً.

وفي نظرة سريعة على البنية التحتية وبحسب شهادة أهالي المدينة، التي أكدها مراسلو الرقة24، فإن المدينة أصبحت غير صالحة للعيش نتيجة الدمار الكبير في الأبنية، وإن المستشفيات جميعها قد تم تدميرها، إضافة إلى كافة الأبنية الحكومية الموجودة، وأكثر من 90% من المدارس وأكثر من 29 مسجداً تعرضوا إلى تدمير كلي.

إعداد 24 للدراسات بالتعاون مع الرقة24