ملخص

عاشت محافظة حلب خلال الأشهر الأخيرة جملة من التحولات العسكرية أدت إلى تغيرات جذرية على صعيد السيطرة والنفوذ. تلك التحولات لم يكن أولها تمكن قوات الأسد مدعومة من روسيا والميليشيات الطائفية المساندة لها من السيطرة على مدينة حلب، ولن يكون ربما آخرها سيطرة فصائل غرفة عمليات درع الفرات على مدينة الباب وطرد تنظيم داعش منها، ليصبح بذلك ريف حلب مركزاً لاستقطاب القوى العسكرية المتحاربة والمتسابقة على بسط نفوذها على ما استطاعت من البلدات والقرى الرازحة تحت نير الحرب والموت منذ أعوام.

شهد ريف حلب الشرقي والشمالي في الأشهر الأخيرة تنافساً بين أغلب القوى المتصارعة في سوريا وحوّلها إلى منطقة ملتهبة لحصد مكاسب عسكرية وسياسية، وقد ترسم من خلالها ملامح المرحلة القادمة للحرب في سوريا. في هذا الصراع شكّلت عملية درع الفرات منعطفاً مهماً في المنطقة؛ العملية التي طردت تنظيم داعش من أهم معاقله شمالي وشرقي حلب وخسر التنظيم مساحات واسعة من سيطرته، ولم تقف عملية درع الفرات عند هذا الحد فقط، فهي تملك في الوقت نفسه أبعاداً وأهدافاً أخرى ضمن الخطة التركية لإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا والاستفادة من هذه النجاحات لاستثمارها ضمن الصراع التركي – الكردي في المنطقة.

إن التسابق المحموم بين القوى العسكرية المتصارعة على جبهات الريف الحلبي، وأهمها قوات الأسد وقوات سوريا الديمقراطية المسماة اختصاراً بـ “قسد”، وقوات درع الفرات المدعومة من قبل تركيا، وهو الأمر الذي قاد أيضاً إلى معارك صغيرة جانبية بين هذه القوى، ينبئ باحتدام الصراع المسلح بين تلك القوى خلال الفترة القادمة، ويزيد من معاناة السكان المحليين، ولاسيما فئة النازحين الذين لم يجدوا بعد أفقاً يبشر بعودتهم إلى قراهم ومنازلهم المدمرة نتيجة ويلات الحرب المستمرة منذ سنوات.

حاول تنظيم داعش منذ سيطرته على المنطقة بأن يسيطر على الشريط الحدودي الفاصل بين سوريا وتركيا ونجح في السيطرة على قرابة 70كم منها، وسعى بعدها إلى المحافظة قدر الإمكان على علاقات جيدة مع الجانب التركي واستثمار هذه العلاقات لصالحه لتأمين احتياجات التنظيم اللوجستية، بالإضافة إلى السيطرة على حركة البضائع من تركيا إلى مناطق سيطرته والتربح منها ومعالجة جرحاه في المستشفيات التركية. وصلت تلك العلاقات إلى حد كبير من التفاهم بين الطرفين، بلغت حد مجاهرة عناصر التنظيم بانتمائهم أثناء تبضعهم في المدن والبلدات التركية. وفي الوقت نفسه مارس التنظيم كل أنواع الترهيب للسكان المحليين في مناطق سيطرته الذين كابدوا ويل القتل والاعتقال والتهجير.

لم تدم تلك العلاقة الجيدة مع تركيا وخاصة عندما اختطف تنظيم داعش موظفي القنصلية التركية في الموصل في العراق، مما أدى إلى زيادة التوتر بين الطرفين على الحدود السورية – التركية شمالي حلب، وتحولت تلك العلاقة من الجوار الهادئ إلى حالة من العداء المعلن، دأب تنظيم داعش على استفزاز تركيا وقصف مناطق مأهولة بقذائف الهاون والمدفعية، بالإضافة إلى تبني عدد من التفجيرات في عمق تركيا. وكنتيجة لزيادة خطر داعش على تركيا سارعت لتنظيم فصائل سورية مسلحة ودعمها للسيطرة على ريف حلب، وإبعاد التنظيم عن حدودها، كما أسهم الجيش التركي بالمشاركة عبر قوات برية وسلاح الطيران لتنخرط تلك القوى في الصراع المسلح بشكل مباشر. كل ذلك قاد إلى إطلاق عملية درع الفرات وفق ثلاث مراحل؛ قادت الأولى فيها إلى السيطرة على مدينة جرابلس وريفها، أما المرحلة الثانية فقد نجحت بوقت قياسي من طرد التنظيم من الشريط الحدودي مع تركيا، وتكللت المرحة الثالثة والأخيرة بتخليص مدينة الباب من التنظيم.

على الرغم من نجاح درع الفرات في طرد تنظيم داعش من المنطقة إلا أن المدنيين لايزالون يدفعون -في ظل الصراع المحتدم في الشمال السوري بشكل عام وريف حلب بشكل خاص- القسط الأكبر من ضريبة العيش، مما يشكل خطراً كبيراً على الخطة التركية لتشكيل منطقة آمنة. فنتائج الحرب زادت من أعباء الأهالي وخاصة ضعف الإدارة للمناطق؛ حيث لم تزل معظم المناطق ترزح تحت وطأة النفعية الخاصة للفصائل المسيطرة عليها وعدم الاكتراث بالواقع الخدمي والمعيشي المدمر. وتعجز الإدارات الجديدة للمناطق عن تأمين الخدمات لكامل سكان المنطقة والذي يجعل من المستحيل قدرتها على استعياب مزيد من الناس في حال إنشاء المنطقة الآمنة، بالإضافة إلى انتشار السلاح في المناطق المدنية، والانفلات الأمني الناتج عن الصراعات بين فصائل درع الفرات واستعراض القوة شمالي سوريا، وعمليات التفجير التي يستهدف بها تنظيم داعش المناطق المدنية. كما أفرزت عملية درع الفرات بداية صراع مسلح عربي – كردي يجعل المنطقة كقنبلة موقوتة. إن هذه التحديات المهمة تعيق إقامة منطقة آمنة كملاذ آمن للمدنيين الهاربين من الحرب ومناطق الصراع في سوريا أو بأن تكون حافزاً لعودة السوريين في تركيا، ولابد من حلول سريعة ملموسة على أرض الواقع تساعد أهالي المنطقة والسوريين بشكل عام على استعادة جزء من الحياة الطبيعية والآمنة.

15139541_1299051710118645_101565104_nDownload Now