دير الزور .. الحرب على المدنيين

المعارك ضد داعش في دير الزور تستهدف المدنيين مباشرة

بداية معارك دير الزور

منذ بداية شهر أيلول/سبتمبر ٢٠١٧ بدأت قوات الأسد حملة عسكرية باتجاه مدينة دير الزور لفك الحصار عنه بمساندة من الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية والعراقية. وبدأت الحملة من محاور عدة، أبرزها كان من طرف البادية. استفادت قوات الأسد من مناطق خفض التصعيد لتنقل عدداً كبيراً من المقاتلين والآليات العسكرية باتجاه مناطق سيطرة داعش، فاستطاعت هذه القوات بوقت قصير الوصول إلى مدينة ديرالزور مستفيدة من المناطق الصحراوية الخاوية وعجز داعش عن حماية وحداته من القصف الجوي لصد تقدم القوات البرية. أتاح ذلك أيضاً الفرصة لقوات الأسد بأن تسيطر على مناطق استراتيجية على أطراف مدينة ديرالزور أعطته الأفضلية لاحقاً لفك الحصار عن الأحياء التي كان تنظيم داعش يفرض عليها حصاراً، وأبرزها حي الجورة والقصور وهرابش. ولكنه بالوقت نفسه لم يسعَ إلى إخراج تنظيم داعش من باقي أحياء المدينة التي يسيطر عليها.

تزامن تقدم قوات الأسد مع بداية عمليات قوات سوريا الديمقراطية ومعها مجلس ديرالزور العسكري مدعومة من التحالف الدولي، معلنين بذلك عن بدء معركة ديرالزور لطرد تنظيم داعش، وبدأت قسد والفصائل التي معها المعركة من محاور عدة، وكانت تهدف إلى السيطرة على حقول النفط بالدرجة الأولى؛ القريبة من ديرالزور، وعلى رأسها حقل الغاز المعروف محلياً باسم “حقل كونكو” وحقول الجفره النفطية، وربما لاحقاً حتى السيطرة على حقل العمر النفطي القريب من مدينة الميادين في ريف ديرالزور الشرقي.

استطاعت قسد بدورها التقدم بسرعة على الأرض وسيطرت على مناطق استراتيجية كمدينة الصور شمالي ديرالزور والمنطقة الصناعية على أطراف ديرالزور وحقول النفط والغاز القريبة من هناك، أدى هذا الأمر إلى تراشق بالتصريحات بين قادة من قسد وبين مسؤولين من نظام الأسد، كان أعلاها على لسان بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية للأسد، التي هددت بشن حرب لاسترجاع هذه المناطق من قوات سوريا الديمقراطية. واتهمت قسد القوات الجوية الروسية بأنها قصفت مواقع لقسد شرقي ديرالزور، وسرعان ما تحوّل كل طرف لتعزيز مكتسباته الميدانية وتخفيف حدة التصريحات بشكل ملحوظ، فيما يبدو أنه تفادياً لأي تصادم عسكري بين الطرفين.

الحرب على المدنيين بدل داعش

تابعت قسد تقدمها باتجاه مدينة مركدة، وأصبحت قريبة منها مسافة ٥ كم تقريباً؛ المدينة التي ستفصل بينهم وبين خط نهر الخابور، الذي يُعد الخط الفاصل بين ما يُعرف بالريف الشمالي لديرالزور وبين الريف الشرقي، ومنها في حال تابع قسد تقدمه يمكنه الوصول إلى الميادين ولاحقاً إلى البوكمال.

هذا التقدم السريع قابلته حملة شرسة لقوات الأسد مدعومة بالتغطية الجوية الروسية للتقدم باتجاه الجنوب وقطع الطريق على قسدـ وحتى تتمكن من الإسراع في هذا التقدم لجأت إلى شن حملة جوية عنيفة لم تشهدها ديرالزور منذ ٢٠١١، تعتمد الحملة بشكل أساسي على القصف الجوي بالطائرات الحربية والمروحية محدثة أكبر ضرر ممكن، كما إنها نفذت طلعات وغارات وهمية تهدف إلى دب الرعب لدى الأهالي. كما حدثنا أهالي المنطقة وأكده مراسلو ديرالزور24 بأن هناك استعمال لقنابل فوسفورية حارقة وقنابل عنقودية، بالإضافة إلى السلاح التقليدي الذي يفضله الأسد؛ ويعرف بالبراميل المتفجرة.

تحاول قوات الأسد بهذا القصف الوحشي إلى إفراغ المدن من أهلها عبر إفزاعهم من خلال المجازر والقصف العنيف، الذي سيؤدي إلى معارك أسرع باتجاه الجنوب، وتسبق بذلك قوات سوريا الديمقراطية باتجاه منطقة نهر الخابور ومنها إلى مدينة الميادين.

الخسائر والدمار

طال القصف الجوي أغلب المدن والبلدات والقرى جنوبي المدينة. ويُعتقد بأن أغلب هذه الغارات تنطلق من المطار العسكري لديرالزور الذي فُك الحصار عنه مؤخراً، وكان أبرز المناطق التي تعرضت إلى قصف مركز هي كل من موحسن والطوب والبوليل والزباري وبقرص وصولاً إلى مدينة الميادين.

القصف الجوي الوحشي مستمر منذ أيام عدة من دون توقف وعلى مدار الساعة، وخلّف دماراً واسعاً وضحايا بشرية بالعشرات، وأدى إلى تهجير وحشي متعمد لإفراغ المدن والبلدات بالكامل من سكانها.

كان للبوليل وبقرص والميادين النصيب الأكبر من الدمار والقصف الجوي، ويليها موحسن وبلدات أخرى كالشحيل.

أحدث القصف الوحشي مجازر عدة، وقُتلت عوائل بالكامل بشكل متعمد من دون أية تحذيرات للسكان المدنيين. أكثر من ١٢٧ مدنياً بينهم 27 طفلاً و29 سيدة -استطاعت ديرالزور24 توثيقهم بالأسماء- لقوا حتفهم في القصف الجوي على المدن والبلدات خلال أقل من أسبوع.

أما الدمار الذي لحق بالمدن والبلدات في الريف الشرقي لديرالزور في المدة نفسها فهو الأكبر ضرراً منذ 2011، وهذا ناتج عن القصف المكثف واستعمال القنابل الثقيلة في قصف الأحياء والمنازل التي يقطنها المدنيون. استطاعت ديرالزور24 توثيق 331 منزلاً ومنشأة تم استهدافها في هذه الحملة، ودُمر منها 208 منشأة ومنزل دماراً كلياً بنسبة تصل إلى 63%.

الوضع الإنساني

القصف الجوي منذ بداية الحملة لم يتوقف وهو مستمر في الليل والنهار، ولكن تشتد ضراوته في الأوقات الصباحية وفي المساء بعد الساعة ١٢ ليلاً، ولم يعد لدى الأهالي منازل تقيهم من تلك الهجمات، فذهب أغلبهم إلى العراء يفترشون الأرض كي يحموا أنفسهم من تلك البراميل المتفجرة والصواريخ والقنابل العنقودية، التي يتم رميها بشكل يومي وعلى مدار الساعة. داعش بدوره لا يكترث بما يجري في الريف الشرقي، بل إنه يسير الطائرات التي تحمل الكاميرات ليوثق حجم الدمار وينشره عبر إعلامه الذي اعتاد أن يمارس فيه البربغندا، وبأن هذا القصف يأتي في ظل هجوم دول عدة ضد التنظيم.

خلال الأيام الفائتة هرب عشرات آلاف المدنيين ليس فقط من القصف إنما لأنهم أصبحوا يدركون أن هناك احتمال قوي لعودة سيطرة نظام الأسد إلى بعض مناطقهم، ولذلك بدؤوا الهروب إلى شرقي نهر الفرات، الذي يؤدي في النهاية إلى مناطق سيطرة قسد ومجلس ديرالزور العسكري، وكل هذا خوفاً من تسلط الأسد عليهم، والإعدامات الميدانية التي ينفذها بحق عشرات من المدنيين لاحقاً إذا ما دخل إلى مدينة الميادين هو والميليشيات المساندة له؛ فالخوف لدى الأهالي من الأسد ومن داعش أصبح واضحاً، وهذا سبب هروب الآلاف منهم إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات، التي لربما لن تتمكن قوات الأسد من الوصول إليها لاحقاً ما لم تسيطر على مدينة الميادين بالكامل.

لايزال عشرات الآلاف عالقين بالقرب من المدن الكبرى ولا يستطيعون النجاة بأرواحهم؛ فالقرى بريف ديرالزور الشرقي أصبحت مكتظة بآلاف المدنيين ممن يحاولون الابتعاد عن القصف والموت والتهجير الوحشي، وكل ما يبحثون عنه هو ملاذات آمنة تقيهم الموت والقتل الذي يمارسه نظام الأسد وروسيا والميليشيات الطائفية معهم، بالإضافة إلى أنواع القتل التي مارسها ويمارسها تنظيم داعش بحقهم.

ويقدر عدد النازحين منذ مطلع أيلول/سبتمر حتى الآن ما يقارب 250 ألف نازح مدني، ويعتبر ريف ديرالزور الغربي الواقع جنوب النهر، وريف ديرالزور الشرقي خاصة البوليل وموحسن وبقرص والميادين والبوكمال وقرى خشام ومراط وحطلة، أكثر المناطق النزوح والتي تعتبر شبه خالية من السكان حالياً.

النازحين المدنيين ينقسمون على وجهتين، الأولى داخل محافظة ديرالزور باتجاه المناطق الأكثر أمناً، في قرى الشعيطات والشحيل وقرى محميدة والحوايج في ريف ديرالزور الغربي الواقع شمال نهر الفرات وفي البوادي القريبة، أما الوجهة الثانية باتجاه مناطق سيطرة قوات قسد، في ريف الحسكة وريف الرقة ومناطق أبو خشب والجزرات غرب محافظة ديرالزور.

ويعاني النازحون في جهتي النزوح ظروف إنسانية صعبة، أهمها عدم توفر أماكن إيواء كافية وخاصة النازحين ضمن مناطق سيطرة التنظيم، إضافة لنقص الرعاية الصحية ومخاوف من استهداف الطيران الحربي، لأماكن تجمعهم في البوادي والقرى التي لجؤوا إليها.

إعداد 24 للدراسات و ديرالزور24